د. هوشيار مظفر علي امين
رغم كثرة طرحه مصطلحا، فالوحدة الوطنية في العراق ليست مجرد شعار سياسي، بل هي ركيزة أساسية لبناء دولة مستقرة قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة والتعقيدات الداخلية، تبرز الحاجة إلى تعزيز الانسجام الوطني بين مختلف مكونات الشعب العراقي، ولا سيما بين العرب والكرد.
اذ يمثل التنوع العراقي مصدر قوة إذا أُحسن إدارته، لكنه قد يتحول إلى عامل ضعف إذا لم تُعالج الخلافات بحكمة. فالعلاقة بين بغداد وأربيل ظلت طويلا بعد 2003 تعاني من أزمات متكررة بسبب التباينات التطبيقية في الازمات المالية والسياسية، مما أثر على استقرار البلاد. اليوم، وفي ظل التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه العراق، وما بعد تهديدات البعض بالتغيير المفروض -وهو وهم- فالتغيير يكون عبر صناديق الانتخابات، أصبح من الضروري تجاوز هذه العقبات بروح وطنية مسؤولة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
ونجد هنا دور رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في تعزيز الوحدة الوطنية فمنذ توليه رئاسة الحكومة، تبنى السيد السوداني نهجا واقعيا يسعى إلى تهدئة الأوضاع بين المركز والإقليم عبر الحوار والتفاهم المشترك. اذ أدرك أن التوتر المستمر لا يخدم أي طرف، بل يُضعف الدولة ككل. لذلك، عمل على تعزيز الشراكة مع أربيل عبر لقاءات متواصلة مع القيادة الكردية، خصوصا الرئيس نيجيرفان البارزاني، للوصول إلى تفاهمات تحقق مصالح الجميع، وحل المشكلات المالية من خلال العمل على وضع آليات واضحة لتوزيع الإيرادات النفطية وإقرار الموازنة بشكل يراعي حقوق الإقليم والدولة في آنٍ واحد ويعمل على سد الخلاف بحواره مع السيد نيجيرفان البارزاني، كما قام بتقوية مؤسسات الدولة لضمان أن يكون الحل قائما على القانون والدستور وليس وفق تسويات وقتية، إضافة إلى تشجيع التعايش العربي الكردي عبر سياسات تكرّس مفهوم المواطنة بدلاً من الانتماءات الفرعية.
وبموازاته، فالسيد نيجيرفان البارزاني ومن منطلق شراكته في مشروع الوحدة الوطنية، يركز على مبدأ الحوار، فهو يمثل قيادة كردية تدرك أهمية العلاقة الاستراتيجية مع بغداد، ويرى أن الاستقرار في الإقليم مرتبط باستقرار العراق وبوحدته الوطنية، وأن حل الأزمات لا يكون إلا عبر الحوار. لذلك، تبنّى نهجا واقعيا في التعامل مع الخلافات، وأسهم في فتح قنوات الحوار المستمر مع الحكومة الاتحادية لتجنب التصعيد، والتأكيد على ضرورة الحلول الدستورية لأي خلافات بين بغداد وأربيل، باعتبار الدستور المرجعية العليا التي تحمي حقوق الجميع، إضافة إلى دوره في تعزيز التفاعل الاقتصادي بين المركز والإقليم، خاصة فيما يتعلق بملف النفط والموازنة، ومعالجة الخلافات، ودعم مشاريع الوحدة الوطنية من خلال لقاءات مع مختلف القوى السياسية العراقية.
ورغم الفترات الصعبة التي مر بها العراق، هناك أمثلة عديدة على التعايش العربي الكردي تعكس إمكانية بناء مستقبل مشترك، فكركوك كنموذج تعايش معقد لكن من الممكن أن يعيش العرب والكرد والتركمان في هذه المدينة جنبا إلى جنب، ما يؤكد أن المصالح المشتركة أقوى من الخلافات.
اما العمالة المتبادلة بين بغداد وأربيل، حيث آلاف العمال والتجار يتنقلون يوميا بين الإقليم والمحافظات الأخرى، فإنما تعكس ترابطا اقتصاديا واجتماعيا لا يمكن فصله بالقرارات السياسية.
وفي بغداد، حيث في البرلمان والحكومة، تعاون بين القوى الكردية والعربية، ما يعكس وعيا بضرورة العمل المشترك.
وبالتالي فالوحدة الوطنية طريق اختطه رئيسا وزراء العراق ورئيس الاقليم لتجاوز الماضي بواقعية سياسية وصولا للمستقبل.
فلا يمكن بناء دولة مستقرة من دون مواجهة أخطاء الماضي بشجاعة وواقعية. وكل من بغداد وأربيل تعلمان بواقعية سياسية بأن الحل لا يكون بالمواجهات السياسية أو الاقتصادية، بل عبر احترام الاتفاقات الدستورية كأساس لحل أي نزاع، وتحقيق التوازن في توزيع الثروات لضمان عدم شعور أي طرف بالتهميش، وتعزيز الثقة بين القيادات السياسية بعيدا عن التنافس الحاد الذي يضعف الدولة، إضافة إلى إشراك جميع المكونات في اتخاذ القرار لضمان تمثيل عادل ومتوازن.
إن الوحدة الوطنية ليست خيارا، بل ضرورة ملحّة، وإذا استمرت جهود السيدين محمد شياع السوداني ونيجيرفان البارزاني في هذا الاتجاه، فإن العراق سيخطو خطوة جديدة نحو الاستقرار والبناء المشترك، فهما مديرا ازمة وقائدا صراع ومواجها تحدٍ في صياغة عقد الوحدة
الوطنية.