الحياة كاميرات

الصفحة الاخيرة 2024/03/25
...

عبد الهادي مهودر


ربّما نحن أكثر شعب جرّب العيش في الفوضى وشبع منها حتى الثمالة واِنقلبت عليه وطلبَ النجدة، لم يبقَ قانون إلا ضربنا به عرض الحائط، ولم يبقَ خط أحمر أو أبيض إلا تجاوزناه، وجرّبنا العيش في صدمة الحرية وخارج الزمن والقانون، وعشنا أضخم حفل وأكبر عَرض لخرق القوانين والأعراف والتقاليد، ورأينا المعلم يشكو من ضرب التلاميذ بعد ان كان التلاميذ يشكون من ضرب المعلم، أو فهم التلاميذ رسالة منع الضرب في المدارس بالخطأ واعتقدوا أن الصحيح هو ضرب المعلمين وليس ضرب التلاميذ، ورأينا المعلم مكسور الخاطر يلوذ بالعشيرة حين عجزت الدولة، ونحن فهمنا الحرية بالخطأ ايضاً كما لم يفهم التلاميذ درس احترام المعلم، ثم رأينا قميص شرطي المرور تمزقه بنات الليل من قُبلٍ ومن دُبر، ورأيناهُ مستميتاً فوق (بنيد السيارات) في وضح النهار، وشرطي المرور العراقي هو الشرطي الوحيد في العالم الذي يوقف السيارات المخالفة بهذه الطريقة الفريدة من نوعها، وهي براءة اختراع مروريَّة ممهورة بالغيرة العراقيَّة، وكان آخر العلاج الكي بالكاميرات والغرامات!.

وتفعيل قانون المرور قرار التقت فيه الإرادة الحكومية مع الحاجة الإنسانية والشعبية بعد حالة إنفلات عام شهدته حركة السير والشوارع، وعلى الرغم من كل الملاحظات التي رافقت تنفيذه أو دعت الى تأجيله إلى حين تسوية آخر (طسة) فقد دخل القانون حيّز التنفيذ، واصبحت الكاميرات في عالمنا اليوم وسيلة لفرض الأمن والنظام ومراقبة الأداء الوظيفي ودخلت الى كل زاوية في حياتنا الشخصية، وهناك ما يقارب 770 مليون كاميرا مراقبة في هذا العالم، حسب إحصائية عام 2019 أكثر من نصفها في ثمانية عشر مدينة صينية، وجاءت لندن كثالث أكبر مدينة بعدد كاميرات المراقبة بأكثر من 627,700 كاميرا، وحلت مدينة بغداد بالمرتبة السادسة عشرة من بين المدن العشرين الأكثر مراقبة بالكاميرات بنحو ( 120.000 كاميرا لـ 9.760.000 شخص وبمعدل 12.30 كاميرا لكل ألف شخص، وهذه الارقام كانت قبل اربع سنوات وليس الآن بعد نشر مئات الكاميرات الذكية التي سجّلت في اليوم الأول لعملها التجريبي (مليون وتسعمئة ألف) مخالفة مرورية في جانبي الكرخ والرصافة، وللمرة الأولى في تأريخنا نمتثل لتعليمات شرطة المرور دون وجود شرطي مرور، وستجبرنا الكاميرات على تغيير سلوكنا والامتثال لقانون المرور، لكنّ الوجه الآخر للكاميرات الذكية، التي ليس لها صاحب، انها أخذت دور شرطي المرور ووظيفته وجعلت خدماته عرضة للاستغناء مستقبلاً مثل الروبوتات والذكاء الصناعي،وقريبا سنتساءل عن سبب وجود كل هذا العدد من شرطة المرور !.