محمود السّاجر.. قلق الثّنائيات المتضادة

ثقافة 2024/03/27
...

رندة حلوم       


منذ الثّمانينات من القرن الماضي والفنان محمود السّاجر يجابه الحياة بالرّسم، يحارب القبح بالجمال والسّوداوية بالألوان، كانت لوحاته بيد خبير دارس للفن الأكاديمي، فشكلّت أعماله قفزة من حيث النّظرة الفنيّة إلى الواقع العربي، لمّا تناول السّاجر  من أحداث سّياسية، ولاسيّما في فلسطين المحتلة وبقية المدن العربية. 

أبحر السّاجر في عالم الثّنائيات المتضادة، وقدّم صوراً تنتمي إلى عالم اللاشعور والواقع والشّعور معاً، فقد تناول التّراث، والرّمال، والبيئة، وطوّع الألوان والخطوط للتعبير عن أفكاره ورؤيته للإنسان في هذا الوجود.

كان الفن عند السّاجر تعبيراً عن الإنسان، لأنّ هذا الكائن من وجهة نظره منبع للتّفاعل الخلاق بين الفعل والواقع، فتركيز الفنان كان منصبّاً على هذا الفعل  خاصة، ومن يقترب من عالم الفنان وفضائه التشكيلي الرّحب يكتشف علاقته الوثيقة بقضايا المجتمع من دون تكلّف، وإنمّا اندماجاً من الساجر مع الواقع، لأنّ الفن عنده، هو ابن بيئته الواقعية والنفسية.

ولد الفنان في منبج السورية عام 1955، وحصل على إجازة في الفنون الجميلة باختصاص رسم وتصوير زيتي وتصميم ديكور مسرحي من "سوريكوف " موسكو/ روسيا، وعمل مديراً في مركز "الفنون التشكيلية بحلب "، اذ حرص على التواجد والمشاركة في المعارض الجماعية بتجربة فنية حاضرة وقوية ومؤثرة.

قادت رغبة الفنان في الانعتاق إلى تحطيم القواعد الأكاديمية بعد رحلة طويلة مع التّشكيل البصري، فإتجه إلى التحرر من  معايير المدارس، ومضى مجرباً في عوالم التشكيل من الواقعية إلى التعبيرية فالتّعبيرية التّجريدية فالتجرد الصرف، محققاً التّوازن بين عناصر العمل الجمالي (الخط، اللّون، التّكوين) مع القليل من الانفعال الهادئ.

علاقة الساجر مع اللّون كانت واضحة وصريحة أكثر عندما يتجه إلى التجريد، مما يتيح للمتلقي السفر في هذا العالم الجميل المتناغم مع المشاعر والأحاسيس والغني بالتساؤلات والأحاجي، لكن هاجس الفنان الأكبر دائماً كان الإنسان، والاتجاه إلى التجريد كان بعد النضج والسّمو في التّعامل مع الواقع وفقا لما يجول داخل الإنسان  من خوف وقلق وجودي عميق. 

عبر الساجر عن تلك الهواجس في فضاء مفتوح على الحلم، لذلك ابتعد في تكويناته  عن الخطوط الواضحة أو القوية، كانت تلقائيته هي ما يدفعه للرسم من دون "سكتش"‘ بل كثيراً ما يبدأ العمل الفني باستخدام اللّون تاركاً نفسه لمتاهات الصّورة وأبعادها النّفسية.

الوجوه عند الساجر تختزل الألم والمعاناة وتغيب في اللّوحة بعض التكوينات لصالح حضور التعبير وقوة اللّون، قلقه الإبداعي هو ما دفعه إلى التجريب المستمر، وترك المشهد البصري كنص مفتوح على الزمان والمكان، لأنّ الزمن عنده مستمرا لا يتوقف مع جفاف اللّوحة.. المكان أيضاً غير محدود بصورة تسجيلية أو تضاريس أو حدود واضحة، بل هو تيار لوني يدور مع تيارات الانعتاق والسمو عن الموجود إلى آفاق الوجود فاتحاً الباب على الحداثة كركيزة أساسية في تجربته الفنية.