كعبةُ العُشَّاق

الصفحة الاخيرة 2024/03/28
...

د. طه جزاع

يوم زار ابن بطوطة مدينة قونية وسط الأناضول دوَّن في كتابه تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ما نصّه "وبهذه المدينة تربة الشيخ الإمام الصالح القطب جلال الدين المعروف بمولانا، وكان كبير القدر، وبأرض الروم طائفة ينتمون إليه ويعرفون باسمه، فيقال لهم الجلالية، كما تعرف بالأحمديّة بالعراق، والحيدريّة بخراسان، وعلى تربته زاوية عظيمة فيها الطعام للوارد والصادر". كان ذلك قبل نحو سبعمئة عام من يومنا هذا، وقبل أن تتجه أنظار الاكاديميات العالميّة الكبرى، وبالأخص في الولايات المتحدة الأميركية إلى مكانة الرومي لأسباب عديدة لا يخلو بعضها من غايات بعيدة، فتخصص له عشرات الآلاف من البحوث والدراسات والكتب والأطاريح الجامعيَّة وألبومات الصور والأفلام والندوات والمحاضرات.
تبعد مدينة قونية التاريخيَّة عن أنقرة بنحو 230 كم جنوباً، ويُطلق عليها اسم مدينة مولانا لاحتضانها ضريح الرومي المتوفي سنة 1273 ميلادية، وكان قد قدم إليها من مسقط رأسه في مدينة بلخ الأفغانية الواقعة على مفترق طرق تجارية ضمن طريق الحرير القديم، مروراً ببغداد التي مكث فيها أياماً معدودات ثم توجه إلى دمشق طلباً للعلم، ومنها واصل ترحاله إلى بلاد الأناضول متخذاً لحياته نهجاً وسلوكاً صوفيّاً بعد لقائه في قونية بملهمه وأنيسه وشيخه ووتده الروحي شمس التبريزي القادم من مدينة تبريز الفارسية، والذي سرعان ما أُغتيل، أو أُلقي به في بئر واختفى من دون أثر. ومنذ ذلك اللقاء تغيرت حياة الرومي بشكل جوهري وسار في منعطف يتجاوز العبادات الدينية التقليديّة، إلى مدارات روحيَّة جوهرها المحبّة الإنسانيّة، ومبتغاها الوجد الصوفي والعشق الإلهي.
يُعامل ضريح الرومي معاملة المتاحف الحكوميّة التي تستقبل الزوّار عادةً في ساعات محددة من النهار، يدخلونه بعد قطع التذاكر بمبلغ مناسب، وعند اجتيازهم البوابة الداخلية التي خط في أعلى قوسها عبارة " كعبة العشاق" بالحروف العربيَّة المستخدمة أيام العثمانيين، يجدون أنفسهم وجهاً لوجه أمام قبره الفخم المغطّى بقماش أخضر مزخرف بالخيوط الذهبيَّة، ويقع القبر مباشرة تحت قبةٍ ومنارةٍ اسطوانية صممت وفق الطراز السلجوقي، مكسوة بالقرميد الأخضر ومزخرفة بخزف فيروزي، لتصبح من العلامات الفارقة التي تدل بمجرد رؤيتها على مدينة قونية، وتحيط بالرومي قبور أبنائه ومريديه والعديد من المتصوفة والدراويش، وقد وضعت على شواهد قبورهم عمائمهم، أو قبعاتهم المخروطية المولوية. وداخل المتحف يشاهد الزوار المقتنيات الشخصيَّة للرومي مثل ثوبه وغطاء رأسه وجبته وسجادته ومسبحته، فضلاً عن مخطوطات قديمة مزينة بالصور والزخارف الملوّنة لمؤلفاته وأشعاره وفي مقدمتها ديوانه الشهير "المثنوي"، و "الديوان الكبير.. ديوان شمس التبريزي". وفي الفناء المقابل لمدخل الضريح تتوزع في نسق منتظم غرف صغيرة تعلو كلاً منها قبة ومنارة مخصصة لعرض مقتنيات الدراويش وراياتهم ودفوفهم ومعداتهم من أوانٍ نحاسية وقبعات مخروطية وعمائم مزخرفة، ومعازف وآلات موسيقية هي من مستلزمات رقصة السماع، وهي رقصة صوفية مولوية تنسب للرومي وتكتسب شعبية واسعة واقبالاً للسياح في عموم مدن تركيا السياحية، وفي التدريب الأول لراقص المولوية يعلمونه الدوران حول رجله اليمنى ثمانية عشر مرة حتى يتقن الدوران السريع حول نفسه مثل جرم سماوي. لم يكن "مولانا" ليتخيل أن ضريحه ستكون له كل هذه الأهمية، وهو القائل "لن تكون الأرض بعد الموت قبري.. إن قبري في صدور العارفين". لكنه وجد قبراً في الأرض ومتحفاً وسياحاً وزائرين، فضلاً عن قبره في صدور العارفين.