العالَم سيكون مقبلا على أدب {الديستوبيا}

ثقافة 2020/04/17
...

د.عبّاس آل مسافر
 
السؤال الذي يدور الآن في خلد أغلبنا ونحنُ نعيش في ظرف سريالي بامتياز، هل أصبحنا أو سنصبح قريباً بإزاء أدب ما بعد الكارثة؟ وأنَّ القادم سيعيد إنتاج أدب "الديستوبيا" والذي سيقوم بدوره بتسجيل الأحداث والقصص التي مرّت على الناس بمختلف أجناسهم وصفاتهم وأنواع الأعمال التي قاموا بها، من سياسيين وأدباء، وأطباء ودوبلوماسيين أو باعة متجولين، ملوكٍ وأمراء أو عتّالين في الأسواق الشعبيّة، موظفين أو متقاعدين عن العمل، صبايا وعجائز ومتوسطي العمر.

مازلنا الآن في بطن العاصفة، معزولين عن بعضنا البعض، دولٌ كبرى في طريق الانهيار، وأخرى صغرى انهارت، ودول ستقاوم، ولكن إلى متى 
ستقاوم؟
فالمؤشرات الصحية الصادرة عن منظمة الصحة العالميّة تُنذر باستمرار الخطر وبقاء هذا الوباء، وأنّ انحساره سيكون محدوداً، إذ تمادى هذا المتمرد الصغير كثيراً، وسوف يسحق كلَّ من يقف بطريقه، اقتصادياً، لا سيما وقد تعطلت الكثير من المعامل والمصانع والأسواق التجاريّة، مع توقف الطائرات عن الاقلاع والهبوط، وأصبحت مدارجها خاويةً على عروشها،  لكن وعكس كلِّ التوقعات، فإنَّ سوق الأدب والفن لاسيما الجنس السرديّ ارتفعت، لاسيما المقروء على شبكة الأنترنت، ومن بين هذا المقروء كانت الرواية هي المتصدر، وقد بدأ البحث عن الأكثر شهرةً منها، فما أن حلّت الجائحة رجعت الذاكرة الجمعيّة للوراء، اشتغلت محركات البحث في العالم الافتراضي لتقصي عنوانات "روايات عالميّة" أوردت ذكراً عن الأوبئة أو وظفتها كثيمة ، فقد وصل إلى حد الاعتقاد بأنّ بعض الروائيين مارسوا دور العرّافين أو المحللين الستراتيجيين، من خلال 
ماكتبوه.
من التوقع جداً أنّه سيكون هناك بحث عن جنس أدبيّ ملائم، قادر على استيعاب أهم الأحداث التي ستكون قريبًا بحكم الماضي، وله القدرة على التعبير عن فلسفات الكتّاب وآرائهم تجاه ما مرَّ به العالم المحيط بهم من أحداث وهزات عنيفة ومدمرة، كذلك من مواصفات هذا الجنس الأدبي الإمكانيّة في وصف الخراب الماديّ والمعنويّ وتغير السياسات والعلاقات ونمط التفكير الذي كان سائدا، وتصوير محنة الإنسان وضعفه أمام وباء اجتاح الحدود البرية والبحرية والجوية، وإعادة ترتيب الأمور كما يحلو لهذا "الفيروس" لا كما تُريد وتتمنى القوى العظمى، أقول إنّ البحث ليس بالأمر السهل عن الطريقة التي ستكون ملائمة، فهل سيكون هذ الجنس المنتَظَر هو "القصة القصيرة" أو "القصة القصيرة جدًا" أو"القصة الومضة" كما يحب أن يطلق عليها بعض النقاد، أو ستكون ربّما "قصيدة النثر" هي صاحبة السبق في نقل الإحساس بالفاجعة، أو "المسرح" بجزأيه النثريّ والشعريّ هو مجال البوح مستقبلاً؟
 لا أحد يستطيع الجزم بما ستؤول إليه النهايات المفتوحة، لكن مما لاشكّ فيه فإنَّ "السرد الروائي" سيعزّز من مكانته، وسيبتكر أشكالاً جديدةً، لأنه الجنس الأدبي الأكثر قابليّة للتطور دائمًا، ولا يثير هذا التطور إشكالات كبيرة غالباً، كما تحدث مع الشعر العربيّ،  فالنص الروائي هو بمثابة الوعاء الذي سيفرّغ به الأدباء الناجون من هذه الكارثة البيئيّة مخزونهم الثقافيّ، وذكرياتهم ومآسيهم لاسيما بعد تغيير معالم المدن الجميلة وتحولها إلى خرائب وأطلال باليّة، ومحاولة إعادة الحياة لها، وربّما ستكون "الدوستوبيا" هي الاتجاه المناسب لهذا العالم المعطّل، بعد امتصاص الصدمة ومحاولة النهوض من جديد، بدلاً من اللجوء إلى التسجيل التاريخيّ الفج لتلك المشاعر. 
وكما يبدو بأنَّ روايات "الديستوبيا" أو "المدينة الفاسدة" بوصفها نمطاً أدبياً مستقلاً، ستكون هي السائدة في الفترة القادمة، فالتاريخ النقديّ يشير إلى أنّ التحول المفاجئ للعالم بعد الكوارث ساعد على انتشار هذا النوع من الروايات.
 ومن أولى الروايات العالميّة التي اندرجت تحت "الديستوبيا"  رواية "الرجل الأخير أوThe Last Man " ماري شيلي التي تعد رواية خيال علمي كارثية ، نشرت في عام 1826، ويروي الكتاب عالما مستقبليا دمره أحد الأوبئة، وأيضاً رواية "العقب الحديدية أو  The Iron Hee  " لـجاك لندن الصادرة عام 1908، وتعد أول رواية في "الأدب الديستوبي" الحديث بشكله الصحيح، وتتحدث عن صعود طبقة طاغية في الولايات المتحدة وتصف التغيرات المستقبلية في عالم السياسة والاقتصاد، لكن الأهم منها هي روايته "الطاعون القرمزي" أو "Scarlet plague" الصادرة عام 1912 التي تتحدث عن وباء يجتاح العالم في عام 2073، ويقضي على ثلثي سكانه، بطل الرواية هو أحد الناجين من الحقبة التي سبقت إصابة الطاعون القرمزي من منطقة سان فرانسيسكو، يروي لأحفاده طبيعة هذا الوباء وآثاره وأعداد المصابين، وينقل لهم مشاعرهم وخوفهم من الانقراض بسبب هذا الوباء بخيال ولغة رائعتين.
 كذلك روايتا جورج أويرول المشهورتان، وهما "1984" الصادرة عام 1933 و"مزرعة الحيوان" عام 1945.  ويمكن أن نؤشر أن هناك عدداً من الروايات العراقيّة التي يمكن إضافتها لمكتبة "الديستوبيا" مثل رواية "محنة فينوس" للروائي أحمد خلف 2010 ، ورواية "فرنكشتاين في بغداد" للروائي أحمد سعداوي 2013، و "أحمر حانة" لحميد الربيعي 2017، ورواية " جزيرة القيامة" و"المدينة الضالة" لعبد الله الدليمي، إذ تبدأ هذه  الرواية بالنظرة الدستوبية التي نشاهد من خلالها رؤية استشرافيّة لما قد يحدث في المستقبل والذي تنبأ به الكاتب بأنّ أحداثاً غير طبيعيّة ستحدث عام 2032 لاسيما ما يخص الحرب البايولوجيّة القادمة في العالم. ورواية "أطلس عزران البغداديّ" لخضير فليح الزيدي الصادرة عام
2015.
وقد تتمظهر "الديستوبيا" وفق مستويين رئيسين، الأول مادي منظور كالقتل والقمع والفقر والخراب والعنف والمرض والفقر وكل مظاهر انتهاك الوجود الانساني ، اما المستوى الثاني فيتمظهر في الخراب النفسي الداخلي للانسان كالافتراق عن المبادئ وشيوع مظاهر الخداع والغش كرموز لفساد النفس البشرية، فيتحول المجتمع الى مجموعة من المسوخ البشرية التي يقتل بعضها البعض ويتجرد فيها الانسان عن
انسانيته .
وكما كنا نتداول أدب "مابعد الكولونيالية"  أو أدب ما بعد الاستعمار وندرس تأثيراته في نصوص الحداثة وما بعد الحداثة ورأينا ظهور مجموعة من النقاد والروائيين اتخذوا الظاهرة خطّاً كتابياً خاصاً؛ فهل أننا سنكون قريباً أمام أدب "مابعد الكورونا" ، أدب يختلف تماماً عمّا سبقه، يأخذ مما سلفه ويضيف له نكهات جديدة وتحويرات متنوعة.