حدس {الأدبية} البدئي

ثقافة 2020/04/28
...

 اسماعيل ابراهيم عبد
 
ان البناء هو الطريقة التي تسير عليها القصة ـ أية قصة ـ لبلوغ هدفها ، ويكون البناء فنياً إذا اعتمد طرائق التشويق وتلاحم الأجزاء كوحدة استعارية واحدة ذات جودة فنية تتبع تصميماً معيناً ، وتسير متساندة أو متزاحمة مع بعضها ، بحيث يقع كل حادث في محله مطوراً اما قبله ، ومنطلقاً الى ما بعده ، وذلك في" تساوق معقول وتناغم بين الموضوع والواقع اللذين يوفران المتعة الأدبية "(1). 
وعلى قدر تعلق الامر بالمتعة الفنية فان مقولات فعل القراءة تستوعب قيمة الخيال المتناسق , كونه اولى مراحل الفهم المعرفي , إذ ان "متعة التخييل المتمثلة في السرد تمنح المتلقي فضاء متميزًا , تعطيه خبرة ، تعرّفه على عالم جديد ، تحفز مخيلته على بناء هذا العالم وتركيبه بحرية وفق هواه " (2), أي تَعده عالماً ينطلق فيه من أُسار الواقع الراهن ، ويحقق ذاته ، ويمارس ما يستطيع ممارسته في الواقع ، ويشبع رغباته . إذاً ، يرغب المرء في القراءة القصصية لأنها تضعه في عالم جديد بالنسبة له ، لا يعرفه من قبل ، يكتشف أبعاده ، ويعرف شخصياته ، ويعيش خبرته ، ويجد متعته فيه ، يمتلك من خلاله معرفة البيئة ـ مثلا ـ تلك التي تروى بالوصف لما يدور حول حوادث (ما) تمتع القارئ بما تقدمه له من معرفة عن علاقاته ، وجزئياته ، فيحس أنه دخل عالمًا جديدًا عليه .. ولعل اهم شروط المتعة هو ان القارئ يشيد عمائر النسق الفكري والدلالي للنص السردي عبر استنساخه في ذهنه على وفق حرية تخيل منضبطة بوقائع مؤلف الفعل السردي. ان الاستنساخ الفردي للشكل السردي يضعه بين الواقعة الأدبية القصصية والواقعة الحقيقية كونه هو من يقوم بالتخيل .. قد نجد في لا وعينا ـ كقراء ـ قدرة على لملمة وقائع لا يمكن حدوثها , لكننا نقتنع بأنها قد تحدث يوماً ما , وهو ما يمكننا تسميته   بـ (الحدس البدئي) الذي نريده ان يطابق واقعة (الأدبية) المتخيلة  . ومن المهم ان نعي بأن السؤال الذي سيشغل القارئ الذي يخص اللغة هو : (ما التميز اللغوي في (قص) حدس الادبية البدئي عند الكاتب؟). ويمكن ان نقرر ذلك بالقول : يسعى الكاتب بلغته إلى إدهاش القارئ بتميز لغة سرده وتماسكها دلاليا , فالقص لا يرمي عرضه الى لحظة من الزمن فقط  , بل يسعى إلى توليد دهشة ذهن القارئ بأسرع ما يمكن اعتماداً على تكنيك التكثيف اللغوي الجاذب.. ونعني بكثافة لغة القص انها شحن الكلمات بأكثر ما يمكن من المعاني ، والتعبير عن أكثر ما يمكن من (الأفعال) , بأقل ما يمكن من المفردات, هذه اللغة تقتضي حتمية وجود أدبية الفطرة في حدث الحدس البدئي . والحدس في الفلسفة يشير إلى نوع من المعرفة لا تستخدم المنطق والاختصاص , انما تمثل " شكلاً من أشكال المعرفة , ليس من الضروري تفسيره بكلمات ، فعادة ما تأتي بطريقة مفاجئة,  إذ هي طريقة معرفية , بحسب كانت " (3).
تمشياً مع هذا المبدأ المؤشر , فأننا نرى بأن من واجبنا ان نُمَكِّن ظاهرة السرد من ان تنمو عند القارئ بتمكينه من فرز دلالاتها الخاصة ضمن تفاعل عناصر  (الأدبية = المعرفة الحدسية = القصصية) في تعليم وتأشير بؤر السرد.. وقد يفيدنا في معرفة حدس (الأدبية) البدئي الركون الى فعل النبوءة غير المقيدة مثالها : ((الحدث الفطري الغريب , تخيل المكان العجائبي , وضع نهايات متعددة مرشحة للقصة قبل النهاية التي يحسمها الكاتب , فتح الوقائع على تناصات اجتماعية او تراثية بدائية , وضع التفاصيل النفسية بحالة تغير مستمر, تزويد الكائنات غير العاقلة بوعي انساني مبتكر , الرؤية الخلاقة للمجهول العلمي , ربط الفهم النوعي بامتحان ذكاء القارئ)). 
اننا نعتقد بأن متعة (حدس الأدبية البدئي) سيكون لها مستقبل جديد كونها تتلاءم مع توجهات الشباب واختزالات النت , وانها ستتجه الى ما يشبه قص الصورة التي من منافذها الابتدائية مثلا (الايقاع اللفظي للواقعة السردية. التجريد اللغوي التعبيري .الرؤية القرائية المبدعة للاستعارة السردية , تبنى المظهر والجوهر المادي الشبيه باداء اللوحة التشكيلية )) .. بمعنى ان الحدس البدئي للأدبية سيتوشح بصورة مجازية للقص  لا القص وحده , وان يكن القص صورياً , فيعنى ان ينحت العنصر المادي الفطري أولاً للقصة , ثم ان تضاهي صور السرد صور الفوتوغراف المتحركة .. وقد يُعنى بأدب البيئة الاجتماعية والطبيعة , ويؤالف بينهما. واخيرا : من المهم ان تكون لغة القص الفطرية منحوتة على نحو تلقائي مقنن , وهذا التوصيف يعتمد على ذهنية وذكاء خاص , ويتطلب ثقافة عالية تخص اللغة وبلاغة وتلقائية حدسها الدلالي السردي , اي تكون لغة السرد لسان بوح حميمي عميق المعنى , جزل اللفظ على ما فيه من البساطة .
المصادر:
(1)عناصر القصة , ويكيبديا الموسوعة الالكترونية الحرة , تاريخ النشر7/7/2018 
(2)عناصر القصة , ويكبيديا الموسوعية الالكترونية الحرة  , تاريخ النشر 7/7/2018
(3) الحدسية : ويكيبيديا الألكترونية الموسوعة الحرة  , تأريخ الزيارة ,24/9/2017